ابو البركات

165

الكتاب المعتبر في الحكمة

مزاجها المستحكم بالارضية فانعقد كما ينعقد الجص المبلول فلا تذيبه النار كما تذيب الثلج ولا تحلله بالتبخير كما تحلل الماء بل تحلل مائيته بالاحراق وتعيد ارضيته كلسا كغيرها من الاجزاء الأرضية ولو أن الأرض تذوب وتتحلل ماء بالحر لقد كانت الصناعة تتولى إذا بتها عن آخرها فلا تترمد ولا تتكلس وليس كذلك بل التصعيد والتحليل ينتهى إلى ما لا يتصعد ولا يرق ولا يلطف فما وجدنا فيما نعانى بالصناعة والتدبير شيئا من الماء يصير أرضا ولا من الأرض ما يصير ماء بل يفارقها « 1 » الماء وتبقى على ارضيتها . واما الماء فإنه يسخن ويبرد ويمزج ويمتزج بالارضية كما نشاهده طينا وبالهوائية كما نشاهده زبدا ثم يدق عن الحس بالاختلاط والمزاج وبه اتصال الاجزاء الأرضية . والهواء يسخن ويبرد أيضا ويمتزج بالماء والأرض فيكون هو الغالب على كل خفيف من الممتزجات حيث يطفو على الماء كالخشب وغيره ويستحيل الماء بالبرد فيجمد ثلجا وبالحرارة يذوب فيعود ماء فاما ان الماء يستحيل هواء والهواء يستحيل ماء فلا بل إذا سخن الماء تتصعد اجزاؤه وتتفرق وتتبدد رذاذا في الهواء فيخفى ويعسر على ابصارنا تمييز قليله ومتفرقة عن الهواء واما كثيره ومجتمعه فهو الذي يكثف الهواء ويغلظه بعدا شفافه ولطفه فيصير سحابا وغيما ولذلك يعود إذا برد هابطا فيقطر مطر الان صعوده كان من ضيق جامع إلى سعة مفرقة كما عرفت وهبوطه بالعكس من سعة مفرقة إلى ضيق جامع فكلما تفرق في صعوده صغرت اجزاؤه فتبددت رذاذا خفيا وكلما اتصلت في نزولها اجتمعت اجزاء كبارا فثقلت وهطلت مطرا فترى استحالته عن برد إلى حر وحركته صاعدا متفرقا بالحر وهابطا مجتمعا بالبرد فاما تغير جوهره عن كثافة المائية إلى رقة الهوائية فلا والهواء كذلك يسخن ويبرد ويصعد وينزل بتحريك الحرارة والبرودة ويظن الأكثرون انه يستحيل ماء بالبرد قالوا لان الكوز الفارغ إذا دفن في الثلج مع تغطية رأسه ومنع ما يدخل اليه إذا ترك زمانا وجد فيه

--> ( 1 ) سع - يفارقه